كتابة ضد الكتابة …بقلم د. عبدالجبار الرفاعي

كتابة ضد الكتابة ...بقلم د. عبدالجبار الرفاعي

 

  هلع الكتابة:

  منذ بدأتُ الكتابة مازلت أتهيّب الكتابة، ففي كل مرة أقرر أن أكتب أحاول الهروب، وغالباً ألتمس الأعذار بانشغالي، وندرة ما يتوافر لدي من وقت فائض اُخصصه للكتابة، وربما هربت إلى حيل نفسية، تنقذني من مأزق “هلع الكتابة”. كنت أحسب أني مصاب بشلل في الإرادة، وأني أنفرد بذلك، غير أني اكتشفت أن معظم الكتاب الجادين يعانون من ذلك، ولعل من أعنف توصيفات وجع الكتابة ما تحدثتْ عنه الأديبة آني إيرنو، بأن “الكتابة كخنجر”[1]، أو قول إرنست همنغواي عندما سُئل عن أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يصبح كاتباً، فأجاب: “إن عليه أن يذهب ويشنق نفسه، لأنه سيجد أن الكتابة صعبة إلى درجة الاستحالة. ثم ينزل عن المشنقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية الباقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية”[2].

  يبدو أن هروبي وغيري من الكتابة يكشف عن شعور غاطس في الوجدان، من خشية الفشل في إنتاج نصٍّ يرضي القراء، ويمنحنونه اعترافهم، مثلما يخشى الفشل كلُّ شخص يباشر عملاً نوعياً في حياته، فيحترز ويحذر كثيراً، قبل أن يقدم على أية خطوة في إنجازه.

  لا شكَّ أن طلب الكمال، والرغبة بالظفر بمنجز فائق الجودة، والمبالغة في التهيب من الوقوع في مغامرة الأفعال الصعبة، يصبح أحياناً عائقاً يمنعنا من الإنجاز، ويقعدنا عن المباشرة بالعمل، أو يعطلنا في منتصف الطريق عن الاصرار على المضي فيه، حتى جني الثمرة. في حالة كهذه لا ينجح إلاّ أولئك المغامرون، ممن لا يتهيبون الاقتحام، ولا يترددون في الاقدام على أي عمل، مهما كان شاقاً وخطيراً، فإن الأعمال الخطيرة لا تنجزها إلاّ الهمم والعزائم الكبيرة.

  الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون:

 يسألني الكثير من تلامذتي عن: كيف يمكنهم تعلم الكتابة، وعن مجموعة القواعد والمعايير والوسائل التي تمنحك تلك الموهبة؟ وعادة ما أجيبهم أن ليست ثمة قواعد ووسائل صارمة تقودهم إلى احتراف الكتابة. بل طالما كررت أنه “كما الاقتصاد سياسة مكثفة، كذلك الكتابة مطالعة مكثفة”. فمن دون تراكم قراءات متنوعة متواصلة ليس بوسعنا أن نكتب ماهو مفيد. في القراءة أيضاً علينا أن ندرك ألا كتاب حقيقياً يُغني عن بقية الكتب، وأن ليس هناك كاتب تغني مطالعة آثاره عن آثار كلّ الكتّاب.

  الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون، مالم تكن قارئاً نهماً لا تكف عن ملاحقة كل ما هو هام من إنتاج فكري وأدبي، لا يمكنك أن تكتب ما هو هام ومميز، خاصة مطالعة ما يتصل بالمجال الذي تتمحور اهتماماتك فيه.

  يمكننا العثور على أحد أهم مفاتيح دراسة تقدم اليابان في: كثافة القراءة، وشغف المجتمع بمطاردة المعلومة، وولعه المزمن باكتشاف المجهولات، وصمته المتأمل الطويل، الذي يبوح بكلام أعمق وأدق من: صخب السياسيين، وثرثرات وعاظ السلاطين، وضوضاء المعلمين، وضجيج الدارسين.

  طالعت قبل سنوات عديدة، أن الصحافة في اليابان توزع يومياً ما يُقارب تسعين مليون نسخة. ومن الطريف أن اليابانيين وضعوا في إحدى الساحات المعروفة، تمثالاً لرجل يمسك بكتاب، وهو يقول: “إن وزنك بعدد ما قرأت من كتب، لا بعدد الكيلوغرامات التي تمتلكها”.

  لا تبدأ الكتابة من الصفر. لا يبدأ من الصفر إلا الصفر.كل كتابة جادة هي نحو  استيعاب وهضم وتركيب لبناء جديد، يتسع نسيج الكتابة لاستيعاب شيء من كتابات سابقة، مُعاد ابتكارها. الكتابة تتخلق باستمرار في صيرورة جدلية، تتمثل ابتكار السابق، وتعيد خلق اللاحق.

  الكتب الخالدة هي خلاصة خصبة جداً لمكتبات كاملة، تم استيعابها وهضمها وتمثلها، وإعادة سبكها وتكوينها في مركّب مختلف، لا يَتَلَمّس مرجعياته والمناهل التي استقى منها إلاّ أولئك الخبراء من القراء.

  ولا أعني بذلك المحاكاة التقريرية، أو سلخ أعمال الآخرين وانتحال كتاباتهم، أو ترجمة نصوص من لغة ثانية ونسبتها إليه، والبراعة في محو الأصول، وإخفاء آثار الانتحال والترجمة. بل أعني أن النص الجديد للكاتب هو مخلوق جديد، لا يشبه منابع إلهامه، ولا يحاكي مطالعات الكاتب، أو يستنسخها ويتطابق معها. أي أن كتابته هي نحو تفاعلِ مجموعةِ عناصرَ لتنتج مركّباً جديداً لا يشبهها، إنها بمثابة إنتاج مركب صناعي من عدة عناصر، لا يعود يشبهها في صفاته ووظيفته، كما هو تركيب الماء، من الأوكسجين والهيدروجين.

   في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. لا تبدأ أية كتابة من الصفر، ففي كل نص ترقد الكثير من النصوص. في كل كتاب ترقد الكثير من الكتب. يتوالد كل نص مما يختزنه الكاتب من نصوص مسبقة. في كل نص تترسب نصوص عديدة متنوعة، تحيل إلى مطالعات الكاتب.كما أنه: قبل كل تفسيرٍ تفسيرٌ قبلي، قبل كل تأويلٍ تأويلٌ قبلي، قبل كل فهمٍ فهمٌ قبلي، أيضاً قبل كل نصٍّ نصٌ قبلي.

  الكتابة بلا قراءة هي نحو من اجتراح المستحيل، إنها بمثابة من يحاول تشغيل محرك بلا وقوده الخاص. لا أنفي وجود أمثلة تفتّقت عن إبداع خلّاق في الفلسفة والأدب والفن، كان منبع الإلهام الأثرى لها هو التأمل العميق، والسياحة العقلية الروحية العاطفية في الآفاق الظاهرة والمضمرة للذات والانسان والحياة والعالم. لكن تلك الأمثلة إنْ هي إلاّ انفرادات استثنائية جداً.

 الكلمات في الكتابة صوت التفكير. الكتابة بلا تفكير ليست سوى صوت طبلٍ أجوف. الكتابة بلا تفكير أسوأ أنواع الكتابة، والأسوأ منها الكتابة قبل تعلّم التفكير. الكتابة ضرب من التفكير المزمن، والعمل المستمر على تعلّم التفكير. وإن كان الكثيرون في بلادنا يكتبون بلا تفكير، أو يكتبون قبل أن يتعلّموا التفكير. لا نتعلّم التفكير إلاّ بالتفكير.

  الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير، ومن كل ما يوقظ العقل من سباته، لذلك يفتشون على الدوام عمن يفكّر عنهم بالنيابة، فيعودون في كل شيء يسير أو خطير في حياتهم إلى من ينوب عن عقلهم.

  الجبان عقله مشلول، لا طاقة لديه للتفكير، ذلك أن التفكير شجاعة، وأحياناً تكون ضريبته موجعة، وفي بلادنا من يفكر بحرية لابدّ أن يكون مستعداً للتضحية بمقامه وماله وانتمائه لجماعته، بل ربما حياته.

  أخطر أنماط العبودية عبودية العقل، هي التي تفضي إلى عبودية الروح والعواطف والضمير.  صاحب العقل يشقى بعقله. الجاهل يمرح بجهله. تعطيل العقل مهرب للخلاص من مرارت الواقع، تنويم العقل ملاذ لتخديرنا من آلام الحياة المنهكة. لكنه أيضاً ضرب من الحياة النيابية، التي تغيب فيها الأنا الشخصية، ويكفُّ فيها الكائن البشري عن أن يكون هو.

  إنما نتعلم التفكير بالتفكير، نتعلم المطالعة بالمطالعة، نتعلم الكتابة بالكتابة،كما نتعلم الرسم بالرسم. لكن حتى التفكير ربما يصير أحياناً ضداً للتفكير، حين يطمس الكاتبُ العقلَ بعقله، ويعطّل التفكيرَ الحر بتفكيره، ويختزل كلَ شيء بما لا يختزل به.

 كسر احتكار الكتابة:

   إن كانت الكتابة تتوالد من المطالعة والتفكير، فبماذا نفسّر تدفق كل هذا الكم الهائل كالشلال اليوم من النصوص. بعد شيوع قنوات النشر المجاني، وإتاحتها الفرصة لكل من يشتهي الكتابة والنشر، أضحى عدد الكتّاب بعدد صفحات الفيس بوك وتويتر والصحف الألكترونية والمواقع العامة والشخصية على الأنترنيت. ومعظم هؤلاء ممن لا علاقة له بالقراءة بالمفهوم الاحترافي.

   هذه الظاهرة تعبّر عن منعطف بالغ الدلالة، يؤشر إلى انتقال الاجتماع البشري إلى عصرٍ ثقافيٍّ جديدٍ. هو منعطف كأنه قدر ثقافي، لا يمتلك المرء حياله خيار الرفض والمقاطعة، لأنه يحيطنا ويغطي كلَّ فضاءٍ في حياتنا.

  حتى أولئك القلائل الذين يتعاطون معه بريبة وخوف، ويرونه ضيفاً غير مرحب به، يعرفون ألا أحد اليوم يستغني عن الأنترنيت وما يقدّمه من خدمات، وما يؤمّنه من شتى احتياجات الفرد والمجتمع، وما يموج به من بحار المعارف والعلوم والفنون، مما لم يجتمع في حيز واحد، بهذا الشكل المجاني الميسر الاستخدام، مذ عرفت البشرية تداول المعارف والعلوم.

   إنها المرة الأولى في تاريخ الحضارة التي يخترع الانسان فيها فضاءً افتراضياً موازياً للفضاء الواقعي، يعمل على تأمين المتطلبات البشرية الواقعية، بحذف الكثير من الكلف والمشقة والمعاناة والجهود المرهقة.

   من سمات هذا العصر الثقافي الجديد كسر احتكار الكتابة، وتعميمها للكل، وهو تحوّل بالغ الأثر في الحاضر والمستقبل.

   لست حانقاً أو متشائماً أو قلقاً من هذا المنعطف الكبير، في تبدّل أنماط التعبير والاشهار والنشر، ذلك أن هذا الفضاء البديل في التمرين على الكتابة والنشر، قدر ما يتضمن من ثرثرة وهذيان وفوضى وضياع، هو أيضاً يضعنا للمرة الأولى في تحدٍّ مختلف، يختبر الكتابة الأصيلة في الرهان على تميّز حضورها، ومقدرتها على ممارسة وظيفتها في الابداع، وإعادة خلق وبناء التفكير المختلف.

   وبموازاة ذلك ستبتكر هذه القنوات البديلة للانتشار أنماطَها المشابهة لها من النصوص، وهكذا أنماطها الخاصة من القرّاء، مثلما تُرسّخ تقاليدَ أخرى للقراءة، وأساليبَ جديدة لتلقّي المعرفة، بل لعلها تصوغ لنا مفهومها الخاص للثقافة والمثقف غداً.

   لا أريد أن أستغرق في القول أو أتشاءم فأقول: لعل الغد سيفاجئنا بنحو تصبح فيه معايير الجودة والانتشار مغايرة تماماً لما نعرفه، لكن أود الاشارة إلى أن من ينتمي إلى تقاليد الكتابة والنشر الورقي، من أمثالي، يصعب عليه استيعاب ما ستباغتنا به طبائع الثقافة والتثقيف والمثقف الآتية.

   أرى إلى ذلك، وأنا أعيش تجربة أقحمتني فيها الأجهزة اللوحية الجديدة “الآيباد”، وهكذا الهواتف مثلها “الآيفون”، التي تبدلت معها طرائق تلقي المعلومات وتداولها لأول مرة في حياتي، رغماً عني. فقد منحتني هذه الأجهزة إمكانات مدهشة للسياحة والترحال في عوالم لا يوحّدها إلاّ أنها تتضمن كل ما بحثتُ عنه من كتب نادرة لسنوات طويلة، ولم أعثر عليه، وآفاق فسيحة للمعرفة ومختلف المعلومات، وكل ما أود معرفته بغرض التعلم، أو الخروج من الرتابة والملل، بحثاً عن الاستراحة والمتعة، في حالات العزلة والغياب عن المجتمع.

   الكثير من الزملاء في جيلي لم يسرقهم هذا العالم مثلما سرقني، إذ اضمحلت مطالعاتي للصحافة الورقية، ذلك أن الصحف كافة متاحة لي بعد صلاة الفجر كل يوم. كما تراجعت لدي حالات العودة لمطالعة الكتاب الورقي، بعد توفر أعداد لا حصر لها من العناوين، التي تبحث مختلف المعارف والفنون والآداب. كذلك لم أعد أستخدم القواميس والمعاجم والموسوعات، بعد وجود نسخها الألكترونية محمولة معي حيثما أكون، ففي كل مرة أكتب لا أحتاج إلاّ وقتاً قليلاً لمراجعة مصادر المعلومات لحظة الكتابة، للتثبت من معلومات أسوقها في سياق النص، بينما كان التثبت من معلومة فيما مضى يتطلب مني أحياناً ساعات عديدة وربما أياماً، من التفتيش في صفحات المراجع. أتذكر قبل سنوات كنت أحياناً أراجع كتباً مثل: فهرست ابن النديم، وكشف الظنون، ومعجم المؤلفين لكحالة، والأعلام للزركلي، والذريعة للطهراني.. وغيرها، بغية معرفة كتاب أو مؤلف أو معلومة معينة. عادة لا تضم مكتبتي كل ما أحتاجه في كتاباتي، فأضطر لمراجعة المكتبات العامة، أو ما تضمه خزانة كتب الأصدقاء. الظفر بكل ذلك اليوم لا يكلفني سوى استعمال مفاتيح الجهاز اللوحي أثناء كتابتي النص من خلاله، ليكشف لي عاجلاً عن بحر من المعلومات، يقدم خيارات متعددة لكل ما أبحث عنه.

مآلات الكتابة في عصر الأنترنيت:

  كنت حين أكتب في الماضي أستهلك كميات ليست قليلة من الأقلام والأحبار والأوراق، غير أني غادرت القلم والورق منذ سنوات، ووجدت قبل فترة أن مجموعة الأقلام المهجورة في مكتبتي قد تخشبت أحبارها، فألقيتها في مكب النفايات.

  ينحاز جيلي للورق والكتاب، ففي كل مرةٍ يجري الحديث عن الوظائف البالغة الأهمية للنشر الألكتروني، وقنواته، وأشكاله، ووفرته حد التخمة، نُصرُّ على أن الكتاب الورقي لن يزول اليوم أو في الغد، وأن النشر الألكتروني لا يمكن بأية حال أن يزيح ما هو ورقي.      لكن منطق الواقع أشد قسوة من منطقنا الرومانسي، وحنيننا ووفائنا لذاكرتنا، وما ترسّب فيها من ألوان الحبر، ونكهة الورق، وجمال المكتبات، وتناسق رفوف الكتب، والإيقاع الهادئ لحضور الكتب في فضاء المنزل. ففي منازل الكتّاب، ممن تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، يستمع منها المولعون بالورق إلى سمفونية تفيض على أرواحهم رقّةً وهدوءاً. لوجود الكتاب الفيزيقي معنى لا يتذوقه إلاّ أولئك المولعون بالورق، ذلك أنهم يتعاطون معه وكأنه صديق حميم، يبدّد وحشة عزلتهم، وينقذهم من القلق واليأس، ورفيق روح يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يقتبسونه من أي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدّد شعورَهم بالقرف والملل، وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها. لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب: يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيُصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم، يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه، بلا أي ثمن.

  أعرف جيداً أننا كائنات مشدودة بحبل وثيق لما ترسب في أعماق الذاكرة، فمن يصاحب الورق والكتاب عدة عقود في حياته، ليس بوسعه الافلات من شباك ذاكرته، غير أن ذلك كله لن يوقف صيرورة التاريخ، ولن يعطل روح العصر، ولن يسمح لنا أن نلبث طويلاً مسجونين في نمط ثقافتنا المألوفة، والإصرار على سلّة أحكامنا القيمية ومعاييرنا المحلية.

  نحن في تحدّ أنطولوجي أو قل حدث وجودي يحكي انتقالاً إلى طور وجودي مختلف، نشهد ارهاصاته في سياق تطور الاجتماع البشري.

  بالضرورة، سيفضي ذلك إلى تبدل أنماط حياتنا الثقافية، ووسائل تعاطينا المعارف، وعوامل إنتاج المعرفة، وانتشارها كونياً، غير أنه لن يفضي بالضرورة إلى المزيد من الضياع والتيه في عالمنا.

  أما مآلات الكتابة، ومعايير اصطفاء ماهو نوعي ونموذجي من نصوص، في عصر فوضى الكتابة، وممارسة الكل الكتابة للكل، فربما يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً، إلاّ أني أظن أن تميز واصطفاء النصوص المضيئة المتوهجة ليس متعذراً، إذ لا يمكن أن يحجب الظلامُ ضوء شمعة، ضوءُ الشمعة يفضح الظلام مهما كان شديد الحلكة، ولعل الشمعة وسط ركام الظلام تسفر بوضوح أشد عن شعاع نورها مما لو كانت وسط كتلة نور لمصابيح مضيئة.

  في الكتابة يمكن القول، عكس ما تقوله قاعدة تداول النقود الشهيرة: “تطرد العملةُ الرديئة العملةَ الجيدة”، في الكتابة تطرد “الكتاباتُ الجيدة الكتاباتِ الرديئة”. ذلك ما يبوح به تاريخ الكتابة، بدءاً بأول نص كتبه البشر حتى الآن، ولا يمكن أبداً أن تبلغ الكتابة مرحلة تغدو فيها الكلمات الشفاهية والهذر والهذيان والثرثرة كتابةً، أي لا يمكن أن نصل إلى مرحلة تنفي فيها الكتابةُ ذاتَها.

  لقد ظهر التدوين مبكراً، وابتكر الانسان طرائق متنوعة لتدوين كتاباته، مذ كان يرسم أحلامه وأفكاره على جدران الكهوف، ثم كتابته على ألواح الطين، والحجر، فالبردي، والعظام، والجلود، إلى الورق. ظلت الكتابة على الدوام أثرى مستودعٍ أودع فيه الانسان منجزاته وإبداعاته، وخزان يتسع لاستيعاب كلّ أوهامه وأحلامه وأفكاره، وسجل يحتفظ بأوجاعه، ومدونة لأرشفة مواقفه.

   لكن منطق القانون العصي على التغيير للكتابة، يشدد على محو كافة كتابات البشر الرديئة، إذ سرعان ما تختفي، مهما واكبها من إملاءات السلطة وقهرها، ومهما صاحبها من دعاية، وإنفاق رؤوس أموال لترويجها، ومساعي جماعات لإشهارها، وما تعمله من تهريج وضوضاء. فمثلاً في حضارة وادي الرافدين ماهو مكتشف أكثر من مليون لوح ورقيم كتابي، ومالم يُكتشف في المواقع الأثرية غير المنقبة أضعاف ذلك، بيد أن ما له قيمه نوعية، وما استطاع أن يخترق العصور وجغرافيا المكان، هو نصوص قليلة جداً من ذلك الموروث الهائل، إذ نلاحظ مثلاً فقط: ملحمة جلجامش، شريعة أور نمو، شريعة حمورابي.. وبعض المدونات القليلة الخالدة. وهكذا هو الحال في ميراث الحضارات الأخرى الموازية لها.

  وربما يعود صمود هذه النصوص أمام عوامل التعرية التاريخية، مضافاً إلى قيمتها الفنية الابداعية، أيضاً إلى مضمونها الوظيفي، ورصيدها الاجتماعي، فالكتابة عند القدماء “ظهرت، لكن ليس كما قد يتبادر الى الذهن، نتيجة لتعلمٍ جاد، فقد تمت استعارة رمزها، بينما ظلت حقيقتها غريبة، لغاية اجتماعية أكثر منها فكرية. لم يكن المقصود هو المعرفة والحفظ والفهم، بل زيادة الهيبة والسلطة، لفردٍ، أو وظيفة على حساب الغير”[3]. كما اكتشف ذلك كلود ليفي شتراوس في رحلته مع قبائل النامبيكوارا. الذي أضاف أيضاً: “وبهذا اكتشف أحد أهالي العصر الحجري، أن وسيلة الفهم العظمى، حتى إذا لم تُفهم، يمكن لها أن تستخدم لغايات اخرى. وعلى كل فطوال آلاف السنين، وحتى الآن[4] في جزء كبير من العالم، وجِدتْ الكتابة كمؤسسة في مجتمعات لا يستطيع أفرادها في أغلبيتهم ممارستها”[5].

    تمحو ذاكرة الكتابة كل كتابة زائفة:

  أنفق في عصرنا معمر القذافي ملايين الدولارات على نص تافه، كتبه بعنوان: “الكتاب الأخضر”، ودشن عدة دور نشر وظيفتُها طباعته وترويجه، وحرص على إقامة مؤتمرات وندوات وجوائز من أجله، تسابق إليها بعض المرتزقة المتسكعين على فضلات السلاطين، بل أنشأ مؤسسة دراسات رصد لها ميزانية ضخمة، مهمتها تتمحور في تفسير الكتاب الأخضر، وإنجاز دراسات وشروح له تشبهه، مع كل ذلك انتقمت النصوص الجادة من هذا النص البائس، وسرعان ما محته من ذاكرة الكتابة.

  وهكذ فعل زعماء آخرون، كما انتقلت العدوى إلى بعض رجال الدين، وتفشت هذه الموضة لدى بعض من هو مسكون بنشر كل ما يقوله من: أحاديث لوسائل الاعلام، وخطب منبرية، ومحاضرات شفاهية، وأحاديث عفوية. ذلك أنه يتم ضبط كل عبارة يتفوه بها وتسجيلها، ويتولى فريق خاص نقلها على الورق، لتغدو كتباً، سرعان ما تأخذ طريقها للطباعة والنشر، رغم أنها لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه، لأنها كتابة زائفة.

   يمعن بعض السياسيين في عدم احترام المتلقي، في خطاباته وكتاباته، فيعمل على خلق منحوتات لغوية مبتذلة، على غير قياس، وعبارات لم يألفها أهل اللغة، ولا تعرفها مواضعات العربية، وقواعد اشتقاق كلماتها. إنها كلمات وعبارات مبتذلة مشوهة، ينفر منها ذوق المتلقي، ويستبشع طبع إبن اللغة ما هو غرائبي فيها، لكن ذلك السياسي يغرق في الوهم، فيحسب نفسه سيبويه أو الفراهيدي أو طه حسين.

  كنت أقول لأحد الأصدقاء: ستمحو ذاكرةُ الكتابة كلَّ ذلك، إذ ليس في هذه الكتابات أي شيء ينتمي للكتابة الحقيقية، لذلك ستطردها الكتب الحقيقية، وأن ليس فيها ما يبقى، بوصفها لم تتوالد من رحم صعوبة الكتابة. إنها ليست سوى أحاديث شفاهية وحكايات استطرادية، مسكوبة حبراً على الورق.

  ومن الطرائف أنه كان يعيش في مدينة النجف شخص يدعى “قربون علي”، في مطلع القرن الماضي، يشتغل عاملاً في محل للحلاقة، وقد تعلّم على يد صاحب المحل كيفية ختان الأطفال، وشيئاً من الأساليب البدائية لتحضير بعض الأدوية الشعبية، ثم استقل في دكان خاص به، وباشر ختان الأطفال، وتطبيب المرضى.

  واهتم أيضاً بتدوين أساليبه في العلاج، وكتابة تجاربه الكثيرة مع المرضى، فبلغ مجموع ما كتبه ثمانية وعشرين مجلداً. رغم أن تجاربه الطبية وعلاجه وأدويته كانت موضوعاً للتفكّه والتهكّم والسخرية. (وحين مات “قربون علي” عُرضت مخلفاته للبيع، فاشترى الشيخ قاسم محيي الدين منها هذه المجلدات الثمانية والعشرين، بمبلغ أربعين ربية يومذاك، وجلّدها تجليداً فخماً، وسماها: “دائرة معارف قربون علي”، واستكتب أحد الخطاطين، فكتب له هذا الاسم على كل مجلد.. وقد ارتفع ثمن هذه الدائرة بعد ذلك، وصارت لها قيمة، لا من حيث واقعها، وانما من حيث قابلية مؤلف يستطيع أن يضع ثمانية وعشرين مجلداً في بحوث ليس لها أصل وفرع من قبل)[6].

  لا شك ان “قربون علي” يمثل نموذجاً نعثر عليه بدرجة وأخرى في عدد ليس بالقليل من الكتب المطبوعة. لكن تلك الكتب سرعان ما تفنيها ذاكرة الكتابة، ذلك أن ما هو مكتوب يختلف نوعياً عن كل ما هو شفاهي، وقد دللت الأيام أنه قد أوشك أن يموت كل شيء شفاهي تحوّل كتاباً، لحظة موت صاحبه.

  لحظة مات “قربون علي” مات هذره معه، ولحظة يموت زعيم سياسي تموت خطاباته المطبوعة كتباً معه، ولحظة يموت بعض رجال الدين ممن لا يكتبون، وانما تتحول أحاديثهم دائماً إلى كتب، فإنها ترحل معهم. هذا هو مصير ما يطبعه كل من ظلوا مسكونين بموضة “شفاهية الكتابة”.

  لا تتحقق الكتابة بالنيابة:

  لا تتحقق الكتابة بالنيابة،كما يفعل البعض من المستثمرين في السياسة أو الدين، حين يقوم بتجنيد مجموعات من ذوي المواهب الجياع، واغوائهم بالكتابة له، مقابل ما يقدمه لهم من رغيف خبز، منقوع بالتمويه والخداع، ثم نشر كتاباتهم باسمه.

  في مثل هذه الأعمال نادراً ما نعثر على نصوص مبتكرة، لأن الكتابات التي انجزت بغية العيش ليس إلاّ، هي عادة ما تكون رديئة، لا تحتفظ بها ذاكرة الكتابة طويلاً، ذلك أن الكتابة كأي منجز خلّاق، لا يمكن أن يبدعه الكائن البشري مالم ينتسب إليه، مثلما الولد الذي ينجبه، و مالم يظهر توقيعه عليه، ليحقق به ذاته، ويطبع بصمته في ضمير التاريخ.

 بهجة الكتابة كبهجة كل فعل ابداعي، يبعث الغبطة والطرب في النفس، وتنشرح به المشاعر.كل فعل ابداعي لا يمكن أن يحدث بالنيابة، لأنه ما لم تكن كتابة الكاتب منتسبة إليه، لا يمكن أن تنبعث من صميم عقله وأعماق وجدانه. وكتابة كهذه لا يمكنها أن تُلهمه أي نحو من الابتهاج والغبطة، وبدلاً عن ذلك ستغرقه الكتابة بالنيابة بالنَّكَد والاكتئاب.

  تشيع الكتاباتُ الرديئة، ويتورط فيها بعض من يمارس الكتابة في عالمنا، خاصة بعض رجال السياسة في وطننا والبلاد العربية، ممن تسكرهم السلطة، فيتفشى في أذهانهم وهم العبقرية، والقدرة الخارقة على صناعة كل شيء، فينشغلون عن مهماتهم الوظيفية ببناء حطام الأوطان بإنتاج نصوص هشّة، يمكن أن نصنفها على كل شيء، إلاّ الكتابة الحقيقية. وهذا نمط من الكتابات إنما هو ممارسة للكتابة تنفي الكتابة الأصيلة الجادة، أو يمكننا توصيفها بأنها: “كتابة ضد الكتابة”، أو “كتابة تمحو الكتابة”، أو “كتابة اللاكتابة”.. أو هي ضرب من: “توهم الكتابة”، أو “عبث الكتابة”، أو “فوضى الكتابة”، أو “زيف الكتابة”. إنها نوع من الغثيان أحياناً، نصوص يضيع فيها القارئ، كما ضاع فيها الكاتب قبله، إسهاب لنثرٍ تتكدس فيه كلمات لا تنتج معنى، إنشاء تضطرب مدلولاته، بنحو ربما نلتقي فيه بكل شيء سوى الكتابة، أو ينقض كلُ شيء كلَ شيء فيها، أو أنها مصفوفة أحكام معيارية، تمنح كل شيء قيمة زائفة، بلا أن تحلل وتناقش وتفسّر أي شيء.

   إنهم يكتبون دون قراءة، يكتبون دون تأمل وتدبر وتفكير عميق، يكتبون دون مراجعة وتحرير وتهذيب، وإعادة كتابة، وحذف واختزال وتكثيف، يكتبون دون ألم ومعاناة الكتابة.

    أليست كتاباتنا مرآة قراءاتنا، فكل ما نكتبه إن هو إلاّ نسيج متشابك يحيل إلى شتى المراجع المتراكمة في ذاكرتنا؟ أليست الكتابة فن الحذف والاختزال والتكثيف؟ أليست كتاباتنا مثلما نحن ننتجها هي أيضاً تنتجنا، إذ تعمل على صياغة رؤيتنا للعالم، وترميم إدراكنا لمحيطنا وعصرنا، وتشكيل نمط وعينا؟

  طالما تأخّر لدي نشر ما أكتبه من نصوص، وكثيراً ما أتردد في طباعتها، ذلك إني عندما أبتعد عن لحظة تدوينها أتهيب نشرها، ومتى ماحاولت طباعتها أعود اليها مجدداً، لأمحو وأحذف وأضيف وأصحح، وكأني أزج نفسي في حلقة مفرغة، أعود فيها كل مرة من حيث أبدأ، لكن أيضاً كلما أحجمت، يشجعني على النشر قول الأديب الشهير خورخي لويس بورخيس: “كل ما نشرته كان يتطلب مني عشرة إلى عشرين مسودة قبل صياغته النهائية، فأنا لا أستطيع أن أكتب دون مسودة. أحياناً أقوم بتشطيبات، حتى يبدو العمل أكثر تلقائية.كل الكتّاب يعانون من صعوبة الكتابة.. سألت الفونسو ريس، لماذا ننشر أعمالنا، أجابني: ننشر حتى لا نبقى طوال حياتنا نُصحّح المسودات”.

  الكتابةُ رسمٌ يلوّن العالم بالكلمات:

 لا يمكن تعلم الكتابة إلاّ بالكتابة، لا يمكن تعلم الكتابة إلاّ بتكرار الكتابة. يقول إرنست همنغواي: (كتبت نهاية “وداعاً للسلاح”، الصفحة الأخيرة منها، تسعاً وثلاثين مرة، قبل أن أشعر بالرضا)[7]. ليس بوسع أي كاتب تعلم الكتابة إلاّ بإدمان الكتابة. الكتابة تمرين أبدي، وقوده المطالعة المزمنة، والتفكير المستمر، والمراجعات المتكررة، وشطب ما ينهك النص، واستبعاد ما يطفئ توهجه، والعمل على ترصين بناء الجملة، وتكثيف الدلالة بأقل ما يمكن من كلمات.

  الكتابة هي اقتصاد الألفاظ. الكتابة هي تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. الكتابة هي إعادة كتابة.

  توثين اللغة ضرب من توثين الحروف ونسيان المقاصد في مجتمعاتنا. اللغة كائن تاريخي. اللغة لا تنتمي إلاّ للبشر. تنقرض اللغة إن لم تتكلم روح العصر. اللغة كائن راهن ومستقبلي. اللغة ليست ما وضعه البدوي خاصة، فعقمت ولم تتوالد. اللغة ليست ما فرضته سياقات دينية سياسية ثقافية، فتسيّدتْ منذ تدوينها. اللغة كلمات تولد وأخرى تموت.كل عصر يضيف للغة كلماته.كل عصر يحذف الكلمات الأخرى التي لا تشبهه. اللغة أساليب بيان منسوخة وأخرى ناسخة. تحرير اللغة من أغلالها تحرير العقل من أغلاله.

  الكلمة كائن حي، تجري عليه نواميس الخلق والولادة والتطور والهرم والمرض والموت، مثلما يولد ويتطور ويهرم ويمرض ويموت كل كائن حي. وحين تموت الكلمات، يمسي ترقب ضوء يشرق به استعمالها في الكتابة، بمثابة ترقب توهج نار من الرماد.

  جماليات الكتابة صورة جمال ألفاظها، والبراعة في استعمال الألفاظ في بناء العبارة، ذلك أن تشييد العبارة كتشييد العمارة. ينبغي انتقاء الكلمات المضيئة الحساسة، ذلك أن الكلمات بطبيعتها ينطفئ وهجها وما تشعه من ضوء، إثر استنزافها بإسراف في استعمال مبتذل مريض.

 في الكتابة الابداعية تتحدث إلينا الكلمات أصواتاً عذبة، يوحّدها إيقاع موجة تتناغم فيها ألحان المعاني، ويعيش ذهننا معها الأُلفة والأُنس. في “عبث الكتابة” تنبعث أصوات موحشة، يستهجنا الذوق السليم، نشعر حيالها بالغُربة، وتستنزف الذهن في شَجَن لا مفهوم.

  ليس المهم في الكتابة الحقيقية التكديس بل البناء، ليس المهم الكم بل الكيف، ليس المهم ما يصدر بل ماذا يصدر، ليس المهم ضوضاء النشر بل مضمون النشر.

  الإنتاج الثقافي الأخصب في التاريخ، الذي تمثل بالفلسفة والابداع الأدبي والفني،لم يخضع لمعادلة الكم.كل ما توالد في سياق معادلة الكم،لم يمكث في الأرض.

  الفيلسوف الألماني شوبنهاور أمضى حياته كلها في كتابة كتاب واحد، هو: “العالمُ ارادةً وتصوراً”[8]، وهو الكتاب الذي ولد من كلماته نيتشه. يكتب نيتشه في مقالته “شوبنهاور كمعلم”، بأنه “ما إن قرأ هذا الكتاب، حتى شعر بالدوار العقلي، الذي لازمه تسع سنوات، وجعل صورة العالم تتبدل أمام ناظريه”[9]. ثم فكّر فوكو في سياق نصوص نيتشه، وتناسلت في سياق تلك النصوص لاحقاً صيحات عاصفة في العقل الغربي.

   يُصاب بعضُ الكتّاب بادمان الكتابة، وادمان النشر لكل ما يكتب، وينشأ ذلك عادة عن هوس عاطفي، وذهان ذهني، يغرقه في عالم متخيل يصنعه هو لذاته، كي يرضي نرجسيتَه، فيضاعف وهمُه قيمةَ وأثر منجزه عشرات أو مئات أضعاف أثره وقيمته الواقعية، متخيلاً أن القراء يترقبونه كل يوم، متلهفين لأثره الجديد، لذلك يسرف في الكتابة، ويظل على الدوام مشدوداً لحركة المطابع، إلاّ أنه لا يدري أن كل كتاب رديء يصدره سيمحو بعضَ ما ربما كان جيداً، مما كان أنتجه من قبل.

  الكتابة كيفية، لا تخضع لقياسات كمية مادية، لا يصبح المرء كاتباً بغزارة انتاج الكتب، وإيهام القراء بتعدد العناوين وتكديس المجلدات.

  الكتابة ضرب من الرسم بالكلمات، وتلوين المعاني بضوئها. الكتابة الخالدة كما اللوحة الخالدة، إنها بمثابة انشغال فنان محترف برسم لوحة، فكلما كان الفنان عظيماً، لن يخبو خياله الابداعي عن خلق العناصر والرموز والثيمات الموحية في ثناياها، وتركيب المزيد من الألوان في طبقاتها، وتكريس وقت طويل لتأملها، والعودة إلى إثراء أطيافها، بالمزيد من الدلالات والإشارات والرموز. ألم يلبث الفنان العبقري دا فينشي عدة سنوات في رسم رائعته الأشهر في العالم منذ عدة قرون “الموناليزا”. لقد بدأ ليوناردو دا فينشي رسم الموناليزا سنة 1503 وانتهى من رسمها سنة 1510[10].

  خلود الكتابة ليس بحشد العناوين، ولا بوفرة عدد الكتب، بل بما هو مميز وأصيل فيما يُكتب. هناك حالات أشبه بالهلوسة تصيب بعض من يمارسون الكتابة الرديئة، ممن يوقفون حياتهم لتكثير العناوين بأي شكل، حتى تصل أحياناً اصدارتهم إلى مئات المجلدات، غير أنها سرعان ما تختفي، كما يختفي السراب الذي يخطف أبصار الناظرين لأول وهلة.

  الكاتب الحقيقي يكتب كتاباً واحداً، الشاعر الأصيل ينشد قصيدة واحدة، ما يضيفه الكاتب هو تنويعات تحيل إلى ذلك الكتاب الذي كتبه، ما يقوله الشاعر هو تنويعات على القصيدة التي أنشدها.



[1] مجلة نزوى “مسقط”، ع 80 “2014”.

[2] الياسين، نايف “ترجمة وتحرير”. متعة المتخيل: حوارات مع كتّاب عالميين. دمشق: دار التكوين، 2009، ص 14.

[3] مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان- دمشق، ط1: 2003/2000.

[4] – من الجدير بالذكر أن كتاب ليفي شتراوس: مدارات حزينة، ظهر عام 1955، وهو يتحدث عن رحلاته ما بين عام 1934-1939

[5] – مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان- دمشق، ط1: 2003/2000.

[6] الخليلي، جعفر. هكذا عرفتهم. بغداد: 1963 ، ج 1: ص 288 – 289.

[7] الياسين، نايف “ترجمة وتحرير”. متعة المتخيل: حوارات مع كتّاب عالميين. ص 11.

[8] نشر آرتور شوبنهاور كتاب “الحواشي والبواقي”، وبعض النصوص الأخرى، إلاّ أنها لم تكن سوى تنويعات وهوامش وشروح وتعليقات على متن كتابه العمدة: “العالمُ ارادةً وتصوراً”.

[9] شوبنهاور، آرتور. العالمُ ارادةً وتصوراً. ترجمة وتقديم وشرح: سعيد توفيق. مراجعة: فاطمة مسعود. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006، ج 1، ص 7.

[10] بدأ دا فينشي برسم اللوحة في عام 1503 م، وانتهى منها جزئياً بعد ثلاثة أو أربعة أعوام، بعد أن رسم أجزاء من اللوحة، ثم تم الانتهاء منها عام 1510. ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

· ثقافه, مقالات وأراء

هذا الموضوع به 0 تعليق

اكتب تعليق

يجب ان تقوم بتسجيل الدخوللتستطيع التعليق .