الفرس قادمون … بقلم : حسين مرسي

 الفرس قادمون ... بقلم : حسين مرسي

 

عشنا طيلة عمرنا نسمع عبارة الروس قادمون ولكننا لم نشاهدهم قادمون إلا قليلا وشاهدنا الأمريكان هم من يأتون ويحتلون ويفككون الاتحاد السوفيتي بكامله إلى دول متفرقة ودويلات متناحرة مهمومة بشأنها ومشاكلها الداخلية فقط وانتهت للأبد الدولة العظمى التي كانت تناطح أمريكا التي انفردت باللعب منفردة في كل مكان على كوكب الأرض !

أمريكا اعتبرت العالم كله طوع بنانها وأنه يجب عليه أن يقدم لها فروض الولاء والطاعة لأنها سيدة العالم وشرطي العالم وحرامي وبلطجي العالم أيضا .. فنشرت شرورها في كل بقعة من بقاع الأرض حتى تضمن السيطرة عليها بحجة أنها تحمي أمنها فقط .. فصنعت الجماعات الإرهابية بداية من طالبان التي صنعتها لتضرب بها الاتحاد السوفيتي في أفغانستان ثم القاعدة ذلك التنظيم الذي كانت تستغله لتحقيق أهدافها المشبوهة في أي مكان بالعالم حتى وصلنا لتنظيم داعش الإرهابي الذي يتحرك بتعليمات أمريكية وينفذ أجندة أمريكية فيقتل باسم الإسلام ويحرق ويقطع الرقاب ويخرب البلدان باسم الشريعة .. والشرع منهم براء .

أمريكا بدأت تمارس لعبتها في المنطقة العربية بعد أحداث سبتمبر لتعيد صياغتها كما يحلو لها ولتعيد تقسيمها من جديد بما يضمن عدم وجود أي قوى إقليمية تهدد وجودها أو وجود ربيبتها وحليفتها ودلوعتها إسرائيل .. فلا قوة تعلو فوق قوة إسرائيل ولا جيش يقهر جيش الاحتلال الذي أسموه جيش الدفاع على اعتبار أنهم مقهورين ولا يفعلون شيئا إلا الدفاع عن أنفسهم فقط !

قررت أمريكا أن تعيد استخدام التنظيمات الإرهابية التي شكلتها باسم الإسلام بعد أن تحولت ضدها ومارست إرهابها ضد أمريكا نفسها والدليل تفجير برجي التجارة العالمية ..فقررت أن تستخدمها لتضرب المنطقة العربية و دعمت الإرهابيين بالمال والسلاح ليحققوا ما يريدون على الأرض العربية .. الخلافة .. تطبيق الشريعة .. التخلص من الحكام والأنظمة العربية حتى الأنظمة الموالية لأمريكا نفسها بعد أن أدت دورها المطلوب منها ولم يعد منها فائدة ترتجى !!

تخلصت من صدام حسين وحولت العراق إلى بقعة مشتعلة من الصراع الديني والطائفي ومكنت الجماعات المسلحة بدءا من القاعدة وانتهاء بداعش حتى أصبح العراق في خبر كان .. ومولت ودربت البعض من العملاء والمأجورين لتنفيذ ما أسموه بالربيع العربي فتحولت دول المنطقة إلى بركان ثائر لايبقى ولا يذر .. وكان من المفترض أن تنتهي الخطة المحكمة بوقوع مصر في الفخ وأن تتحول إلى بؤرة صراع طائفي جديد ينتهي بسقوطها وتقسيمها إلى عدة دول .. دولة في الشمال وأخرى في الجنوب للأقباط وأخرى في سيناء للفلسطينيين حتى تنتهي الأزمة الفلسطينية للأبد .. وأخرى للنوبة .. وتنتهي مصر وتتحول من دولة كبرى إلى دويلات ضعيفة مقسمة طائفيا وبالطبع لن يكون هناك بينها سوى الصراعات والاقتتال حتى تضمن إسرائيل أمنها تماما بعدم وجود أي جيش قوي بالمنطقة وخاصة بعد زرع الفتنة فيها لتتحول إلى الصراع الطائفي كما حدث في العراق ومازال مستمرا حتى الآن …

والآن تعد أمريكا السيناريو الأخطر بعد أن فشل مخططها لإسقاط مصر بربيع أو خريف عربي لافرق .. فبدأت تعيد حساباتها مع الغريم الفارسي والعدو الأكبر الذي حاولت القضاء عليه طيلة السنوات الماضية فجمدت حساباته في بنوك أمريكا وأوربا .. وحاصرته اقتصاديا وعسكريا حتى تسقطه ولكنه مازال يمثل خطرا قائما عليها وعلى المنطقة كلها بطموحاته في السيطرة على الخليج كله وعلى المنطقة بكاملها لنشر الفكر الشيعي ومد النفوذ الفارسي

وجدتها أمريكا فرصة لإشعال المنطقة من جديد وبالاتفاق مع الشريك الفارسي الذي تحول فجاة لحليف بدون مقدمات أو حتى بمقدمات .. فوجدنا العفو الشامل عن إيران التي أصبحت الكارت الأخير في يد أمريكا لإشعال المنطقة بعد أن طفا الصراع بينها وبين السعودية على السطح خاصة بعد إعدام الإمام الشيعي نمر النمر وما تلاه من توابع أشعلت المنطقة أكثر مما هي عليه ..

وبعد عداوة وصراع كانت تصف فيه إيران أمريكا بالشيطان الأعظم وجدنا العفو الشامل ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران بمعنى أنها تستطيع أن تسحب كل أرصدتها المجمدة في بنوك أمريكا بمبالغ تزيد عن المائة مليار دولار .. وبما يعني أن إيران سيكون في مقدورها أن تعود لتصدير البترول مرة أخرى لتضرب بذلك السعودية تحديدا ثم كل دول الخليج في مقتل بما يهدد وضعهم الاقتصادي والمالي بل ويهدد بإفلاسهم بعد أن وضعوا أموالهم تحت تصرف أمريكا وأوربا وبعد السفه غير المسبوق الذي مارسوه منذ أن ظهر لديهم البترول .. وبما يعني دخول مئات المليارات من الدولارات إلى حسابات إيران من جديد أي ظهور قوة إقليمية جديدة تهدد الرافضين لأمريكا أو حتى المتوافقين معها ولكنهم يشعرون ببعض القوة ولو إلى حين !

هذا إلى جانب الموافقة على قيام أمريكا بتجاربها النووية التي كانت محظورة لسنوات طوال ثم فجاة تحول الموقف تماما من النقيض إلى النقيض

أما ماما أمريكا فهي بالطبع ستكون المستفيد الأول من الصراع الذي سيزيد ويشتعل بالمنطقة فمئات المليارات التي ستجنيها إيران ستعود لأمريكا من جديد في شكل صفقات سلاح سواء لإيران أو للدول الأخرى المتصارعة التي ستحاول بالطبع أن تعيد توازنها العسكري أمام إيران التي كانت محاصرة عسكريا لسنوات طوال وفي حاجة كبيرة لدعم سلاحها وجيشها في المواجهة القادمة .

وبهذا لن تهنأ إيران بما ستحصل عليه من مليارات ولن يهنأ العرب بما لديهم من أموال سيتم توجيهها كلها لشراء السلاح .. .. وستتحول المنطقة إلى صراع سني شيعي – أو على الأصح عربي فارسي – أكثر مما هي عليه الآن .. كما سيكون هناك الصراع على القيادة في المنطقة بين دول ترى أنها تستحق القيادة والسيطرة كمصر والسعودية .. وإذا كانت دويلة لاتكاد تظهر على الخريطة مثل قطر تحلم بأن تقود المنطقة وتتحكم فيها فما بالكم مثلا بتركيا!

وفي النهاية المستفيد الوحيد هو إسرائيل التي تعيش الآن أسعد أيامها وأكثرها أمنا وأمانا بسبب الربيع العربي – العبري في حقيقته – و الذي حول المنطقة إلى برميل بارود يشتعل في وجه العرب جميعا حتى أن العمليات الإرهابية يتم تنفيذها في كل مكان على أرض الوطن العربي ما عدا مكان واحد هو الأكثر أمنا وأمانا .. هو إسرائيل !!

ولنذكر جميعا أن إيران كانت العامل المشترك الأكبر في إسقاط العراق عندما كان هناك عراق بعد أن ورطوا صدام حسين في حرب طويلة مع إيران أنهكت الجيشين معا ثم ورطوه بغبائه الشديد في حرب الكويت ليتم القضاء عليه وعلى العراق بشكل كامل ونهائي .. وستكون إيران هي العامل المشترك الأكبر في تدمير المنطقة أو على الأقل إشعالها أكثر مما هي عليه الآن لصالح امريكا وإسرائيل ..

نعم الفرس قادمون .. وغباء البعض مازال مستمرا..!!

· مقالات وأراء