المعونة الأمريكية..كلمة السر للمنظمات الأهلية..‏ بقلم : حسين مرسي

المعونة الأمريكية..كلمة السر للمنظمات الأهلية..‏ بقلم : حسين مرسي


عندما خرج المتظاهرون في أمريكا لم نسمع صوتا لمغاوير حقوق الإنسان ‏وهم يرون الشرطة الأمريكية تطلق النار على المتظاهرين وتعتقلهم وتقتلهم في الشارع ‏‏.. ناهيكم عن العنف الشديد في التعامل مع السادة المتظاهرين والنشطاء الأمريكيين ‏الذين تم سحلهم سحلا في شوارع أمريكا راعية الحريات والديمقراطية في العالم ..‏
ومؤخرا قامت ألمانيا بحجب موقع لليسار .. والسبب أنه يحرض على ‏العنف ضد الحكومة الألمانية ..ثم يخرج علينا وزير الداخلية الألماني ليغلق جميع ‏صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات على الإنترنت لليساريين المتشددين .. ‏ولن أتحدث هنا عن موقف السادة الحقوقيين والنشطاء الكرام عندما تم حجب مواقع ‏مشبوهة تهاجم الدولة والنظام بهدف خبيث وليس حرصا على حقوق الإنسان ولا أي ‏من الشعارات الوهمية التي يتاجرون بها .. ولن نتحدث عن مواقفهم ومحاولاتهم لفرض ‏التظاهر وجعله سنة محمودة من السنن المؤكدة في مصر حتى يتسنى لهم فعل ما ‏يحلو لهم وتنفيذ أجنداتهم الخبيثة .. ‏
ولكن أتحدث هنا عن موقف أمريكا المشبوه والذي يزداد قبحا كل ساعة بل ‏يزداد فجرا ووقاحة ساعة بعد ساعة .. فعندما تخالف أمريكا كل قواعد حقوق الإنسان ‏ثم تهاجم مصر لأنها لم تطبق معايير هذه الحقوق نفسها في مصر فهناك إذن خلل ‏بل عته و”استعباط” أمريكي فاضح .. ثم يتم التهديد بمنع المعونة الأمريكية لاختلال ‏حقوق الإنسان في مصر .. ‏
وفي نفس الوقت الذي أفرجت فيه ألمانيا عن الإرهابي عبد الرحمن عز ‏حرصا على حقوق الإنسان وحماية لإرهابي متهم بتهم تصل عقوبتها للإعدام ثم ‏تفاجئنا السلطات الألمانية نفسها بغلق مواقع إلكترونية بحجة حماية الدولة .. فهناك ‏إذن خلل .. وهو هو نفس الخلل في الموقف الأمريكي والأوربي من مصر !!‏
المعونة الأمريكية التي تهددنا بها ماما أمريكا طيلة سنوات مضت هي في ‏المقام الأول في صالح أمريكا نفسها وليست في صالح مصر وإن كانت في الظاهر ‏هي مساعدات عسكرية واقتصادية تقدمها لنا أمريكا بعد اتفاقية كامب ديفيد .. لأن ‏هذه المساعدات هي في الواقت ترسيخ للوجود الأمريكي في مصر بل واستغلال سئ ‏لهذه الحجة الفاشلة في فرض توجهات معينة وأوامر ثابتة لو لم تنفذها مصر لتم قطع ‏المعونة .. ‏
ورغم حقارة المعونة نفسها لأنها في النهاية جزء بسيط من مليارات يتم ‏إنفاقها ضمن نفقات مصر السنوية التي تتجاوز المائة مليار .. فإن الأمر لا يخلو من ‏شبهة تنتهي إلى فرض وضع معين يرسخ في الأذهان أن مصر دولة لاتراعي حقوق ‏الإنسان .. والحق أن المعونة الأمريكية في النهاية هي مصالح مشتركة بين مصر ‏وأمريكا تستفيد بها ومنها أمريكا نفسها أكثر من مصر .. فعندما تشترط أمريكا أن يتم ‏تنفيذ مشروعات معينة وتحت إشراف مستشارين أمريكان ومصانع وشركات أمريكية في ‏بذلك المستفيد الأول من المعونة التي تعود إليهم مرة أخرى دون عائد حقيقي على ‏مصر !‏
وبما أن الاتهام هو عدم تحقيق تقدم في حقوق الإنسان بمصر فليجب أحد ‏عن التساؤل عن وضع حقوق الإنسان في إسرائيل التي تقتل الأبرياء من الأطفال ‏والنساء والشيوخ يوميا في كل البلدان والقرى الفلسطينية وعلى أبواب المسجد الأقصى ‏‏.. فلماذا لاتهدد أمريكا ربيبتها إسرائيل بقطع نفس المعونة التي تحصل عليها من ‏أمريكا بعد اتفاقية كامب ديفيد .. ولماذا لاترسل أمريكا نشطاءها إلى تل أبيب لتعرف ‏مدى تطبيق معايير وحقوق الإنسان هناك ؟!!‏
وهل أصبح معنى أن تقدم أمريكا لمصر معونة اقتصادية أن تتدخل في ‏شئونها الداخلية وتقرر ما إذا كانت مصر تلتزم بحقوق الإنسان أم لا ؟؟ وهل أصبحت ‏مصر مستباحة لكل من هب ودب ليتدخل في الشأن المصري والتهديد والتلويح بكذا ‏وكذا .. ؟؟!!‏
نقولها ورزقنا على الله .. الموضوع باختصار هو ورقة ضغط على مصر ‏لأن قانون الجمعيات الأهلية الجديد صدر ولم تؤخذ التوجيهات الأمريكية في الحسبان ‏ولم يتم الالتفات إلى صرخات النشطاء والمنظرين والفلاسفة الذين ملأوا الدنيا صراخا ‏على القانون الجديد الذي يرفضه كل هؤلاء لأنه بالطبع لن يعطي الفرصة للسادة ‏أصحاب دكاكين حقوق الإنسان لتلقي تمويلات خارجية للعمل ضد مصر وتفتيت ‏الجبهة الداخلية والترويج للثورة وتهييج الشعب باستخدام شعارات كاذبة ووهمية وإقامة ‏الدورات التدريبية داخل وخارج مصر لتلقي التدريب اللازم لإسقاط الدولة ..‏
هذا باختصار شديد هو أصل المشكلة ليس أكثر .. وما نقوله أكدته جريدة ‏الواشنطن بوست في تقرير لها جاء فيه أن مصر تصر على قرارها الوطنى المستقل ‏وهذا هو سبب الضغط عليها للتراجع عن مواقفها .. وأكدت الصحيفة على لسان ‏مسئولين بوزارة الخارجية الأمريكية أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي وقع ‏على القرار الخاص بالمساعدات أبلغ نظيره المصري سامح شكري بالقرار عبر ‏مكالمة هاتفية مؤكدين أن تلك الأموال التي كان مقررًا إرسالها إلى مصر ستعود ‏إلى الكونجرس نهاية السنة المالية الشهر المقبل لكن “تيلرسون” طلب التحفظ ‏عليها في حساب منفصل حتى تُظهر مصر بعض التقدم حول حقوق الإنسان ‏وعمل المنظمات غير الحكومية.‏
ركزوا جيدا في العبارة الأخيرة .. ” حتى تحرز مصر بعض التقدم حول ‏حقوق الإنسان وعمل المنظمات غير الحكومية ” إذن هذا هو الهدف بل هو الهدف ‏الوحيد والأكثر أهمية لأمريكا .. وهو أن تعود أمريكا لاختراق مصر من جديد عن ‏طريق المنظمات غير الحكومية بعد أن تم كشفها والقبض على عناصر منهم وتم ‏ترحيلهم للأسف لأمريكا .. وامتلأت بهم ملفات القضية 250 التي لم تر النور حتى ‏الآن .. تلك المنظمات التي كانت بمثابة حصان طروادة الذي اخترق به الأمريكان ‏والصهاينة حدود وعقول المصريين وخربوا فيها كما يحلو لهم والآن يعاودون الكرة لأن ‏مصر فطنت لحيلتهم وأغلقت الباب أمامهم ..‏
وفي نفس الجريدة جاءت الحقيقة على لسان الأمريكان أنفسهم عندما نشر ‏في تقرير آخر على لسان بعض المصادر الدبلوماسية هناك أن مصر تعرضت ‏لضغوط عديدة ولكنها كانت دائمًا ما تُصر على قرارها الوطنى المستقل وأن واشنطن ‏لم تكن راضية عن قانون الجمعيات الأهلية لكن مصر أصرت على عدم المساس ‏بشئونها الداخلية.‏
باختصار شديد المعونة الأمريكية أو المنحة الأمريكية ستعود بعد حين لأنها ‏في صالح أمريكا قبل مصر .. ولكن الأهم من المعونة الأمريكية هو كرامة مصر ‏والمصريين .. ولتذهب المعونة إلى الجحيم ولتذهب أمريكا نفسها إلى الجحيم فلن يعود ‏حصان طروادة لمصر من جديد ‏

· مقالات وأراء