الحملة الانتخابية …حتى لا نكسر ظهر الوطن د. إبراهيم حسن الغزاوي

الحملة الانتخابية ...حتى لا نكسر ظهر  الوطن  د. إبراهيم حسن الغزاوي

 

تعد الحملة الانتخابية مشهدا فاعلا في سيناريوهات الانتقال المجتمعي…. وهي وإن كانت بطبيعتها موقوتة بمرحلة زمنية محدودة بعملية الانتخابات نفسها..إلا أن آثارها..ربما يكون لها انعكاسات سلبية على واقع المجتمعات الإنسانية، في المرحلة التي تليها ….بل قد تفضي لا قدر الله إلى مواجهة مسلحة أو تصارع بالسلاح والمال والأفراد …مما يشكل خطرا قد يقسم ظهر الوطن أو يفتت أوصاله في وقت ندرك فيه شيئا فشيئا أهمية التعقل والسير بتؤدة وحكمة في المسار الديموقراطي ..حتى ننتهي من مرحلة الانتقال المؤسسي والمجتمعي ، على خير وبهدوء… دون مساس بوحدة الوطن والأمن القومي لمصر الدولة والمجتمع .

وهذا التأثير الخطير، والغير مرئي للحملة الانتخابية ، يؤسس على حقيقة واقعة لا محالة ، وهي أن أحد أطراف معادلة الحملة الانتخابية سيكون هو الرئيس القادم للدولة..والأطراف ، أو الطرف الآخر ، سيكون خارج الصورة ..أو بمنطقنا العرفي العامي يكون قد “خرج من المولد بلا حمص ” … وهذه هي معضلة الحملات الانتخابية … في بلاد مثل بلادنا … تحبو بصعوبة وترنح تجاه الديموقراطية ..بعد شمولية بغيضة في الحكم طالت عشرات بل مئات من السنين …

والمعضلة هنا ، أن الصراع الانتخابي إن تقبل بلا تعقل فكرة المعادلة ذات الكاسب الأوحد والباقي خاسرون  ، يكون قد استدرج – ويستدرج معه المجتمع – في فخ سيادة منطق الصراع على منطق التنافس الشريف، لصالح الوطن ، الذي هو جوهر العمل الديموقراطي..

والفارق واضح وعميق بين التنافس على منصب الرئاسة في سياق ديمقراطي مستقر وبين صراع المرشحين في معركة يكسبها واحد ويخرج منها الآخرون صفر اليدين ، وهي عادة مفاهيم خاطئة تتسيد مشهد التنافس السياسي في المجتمعات التي تنتقل من مرحلة حكم شمولي لمرحلة حكم تعددي نيابي وديمقراطي …

ويتجلى هذا الفارق … في جوهر وظيفة العملية الانتخابية من وجهة نظر المتنافسين الذين هم نتاج إنساني لمجتمعاتهم ..سواء كانت قديمة عهد بالديمقراطية أو تخطو أولى خطواتها … ففي السياق الديمقراطي …فالتنافس لا يلوثه منطق التنافس بمنطق الكاسب الأوحد والخاسر حتى النهاية …بل يسوده مناخ السعي لتحقيق السبق السياسي في اجتذاب المؤيدين … لتحقيق صالح جماعة عامة – هي مجمل الجماعة الوطنية بكافة أطيافها – وليس صالح شخص أو جماعة محدودة … حتى ولو كان صالح المجتمع الوطني هذا ، سيتحقق من خلال رؤية قوى سياسية لها تنوعها المعرفي أو الأيديولوجي أو العقائدي… طالما هي في النهاية تبتغي صالح وطن بكامله … وبالطبع فسيكون لها طابعها المتميز في الوسائل والأدوات التي ستستخدمها لتحقيق مصلحة الجماعة من وجهة نظرها…

ومناسب في هذا السياق أن أعرض لمشهد واحد ومعبر من مشاهد الحملات الانتخابية … وهو يتعلق بلحظة إعلان فوز أحد المرشحين …ففي السياق الديمقراطي…يكون أول المهنئين له هو منافسة الأول في انتخابات الرئاسة..الذي يعلن في مؤتمر صحف أنه اتصل بالرئيس الجديد تليفونيا ، وهنئه بالفوز وتمنى له التوفيق ..بل وعرض عليه أن يكون تحت أمره إذا رأى الرئيس حاجة له ، خدمة للمجتمع ..واستمرارية لمشاعر التجرد الوطني ..التي لا تفرق بين فرد في السلطة وآخر في غيرها ..فالكل في ميزان حب الوطن مواطنون صالحون..بينما المشهد في مجتمعات تنتقل عادة ما يكون مغايرا ..بل وعلى النقيض… فعندما يشعر أحد المرشحين بأن نجمه متجه إلى أفول …وأن خصمه في صعود..يبدأ بالتلويح الهادئ أولا ثم بالصراخ بعد  فترة وجيزة بأن الانتخابات شابها العوار،وأنه تم العبث بإرادة الناخبين … حتى قبل أن تعلن بشكل نهائي نتائج الانتخابات…

ولأن الحملة الانتخابية هي معبرا لأي انتخابات …فهي عادة ما تتلون بلون  المشهد السياسي الطاغي مجتمعيا على أوقات الانتخاب …وهذه هي خطورة الحملات الانتخابية في مصر هذه الأيام … ولعل علينا الآن واجبا ، أن نعرض لبعض الأمور السلبية مقدما..حتى لا نقع فيها …وتكوينا نارها فيما بعد .. حيث أننا في مرحلة الانتقال للديمقراطية … وغريبة علينا مازالت بعض حتميات التنافس الانتخابي الديموقراطي…

فمن أهم سلبيات الحملة في الدولة التي تنتقل ..أنها تسلط الضوء على سلبيات الآخر ..بدلا من أن تبرز إيجابيات المرشح نفسه… وهي نقيصة بشرية منشأها اعتياد منطق الهجوم وتسيده على منطق الموضوعية  ، وهي أمور معتادة في المجتمعات الشمولية، التي  لا يكترث فيها كثيرا باعتبارات احترام الآخر والتحرز من النيل منه… ويسهل فيها الهجوم العاطفي ..ولو كان غير مستند على منطق من دليل أو واقع حق.

كما قد ينزلق المرشحون وحملاتهم أيضا إلى  التجريح الشخصي  للمنافس..بالخوض الكريه في سيرته أو سيرة ذويه ..وهي وسيلة غير مقبولة في مناخ مجتمعي يطمح للحرية العاقلة والديمقراطية المسئولة..ناهيكم عن كونها غير أخلاقية ..وربما في بعض الأحوال غير قانونية وتشكل جريمة مما يعاقب عليها القانون …

وقد يلجأ فريق إلى أداة التكسير الإثاري لجماهير المنافس … وذلك في الحالة التي قد تستهدف  حملة أحد المرشحين عقر دار مرشح منافس ، وهنا قد  توجد هناك خطورة ، خاصة في بعض مناطق الصعيد والريف المصري، أو المناطق الشعبية  ، إذ يقوم هناك احتمال أن تتطور الأمور لمواجهات قد تصبح دامية بين أنصار المرشحين…. وهو مسلك خطير ..ويجب ألا تلجأ إليه أي من حملات المرشحين ..لأنه يمكن أن يؤدي لأزمات أمنية خطيرة، يمكن أن تنتج إصابات وإسالة دماء …وهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلا….

ومن الأمور المألوفة في حملات البعض ، ومازلنا في رحاب المجتمعات التي تنتقل ، إلى هدم أو تشويه أو تكسير أدوات الدعاية الانتخابية للمنافسين … وهي وسيلة بدائية تعكس تفاهة مرتكبيها وسطحية من يوجهونهم ، إضافة إلى رعونة المرشح نفسه ، إن كان يعلم ، بأن حملته قد تفعل ذلك ولم يتدخل لمنعه ….

وقد تزداد الأمور نأيا عن الأخلاق ..عندما يلجأ البعض إلى بث مواد دعائية مبنية على أكاذيب حول مرشح منافس … مثل إثارة الشكوك حول مصادر عيشه أو حقيقة نسبه أو طبيعة انتمائه الديني أو العقائدي… وهي أمور قد يكون ضررها جسيم على سمعة المرشح المعني، وعلى أهله أيضا، ويمكن بالباطل أن تؤدي إلى مواجهات قد تصبح دامية بين الفريقين أو فريق وطرف ثالث ….

ومن نافلة القول هنا ، ونحن نقارن بين الديموقراطية والشمولية في أثرهما على الحملات الانتخابية، أن نقرر أنه ليس هناك ملائكة في الديموقراطية ، فالمخالفة قائمة في كل الأحوال، لكنها في المجتمعات الديموقراطية، حيث تستقر ثقافة سيادة القانون، المدعومة بمستوى ثقافة انتخابية ووعي حقوقي مجتمعي عالي، يكون هناك دائما سقف منخفض تمام لمستوى المخالفات التي يمكن أن تحدث بالمجتمع ، مع تواجد مؤسسات محاسبة يقظة وحازمة…على حين يكون الموقف على النقيض في المجتمعات التي خرجت لتوها من ربقة الحكم الشمولي الطويل..حيث تغيب عادة ثقافة الموضوعية، وتضعف هيبة الدولة المؤسسية، ومعها هيبة القانون، وتميع وسائل المحاسبية، وتتقدم ثقافة السلوك العاطفي المنقاد، على نهج التفكير العقلاني الذي يسبق السلوك …

وختاما ..فالمخاطر جمة من تراكم آثار مثل هذه الأخطاء على مرحلة ما بعد إعلان النتيجة … حيث يحل شعور الغصة والمرارة في مجتمعات الانتقال محل مشاعر إحباط إنسانية ، منطقية ولكنها مؤقتة ومنضبطة ، في مجتمعات الديمقراطيات المستقرة،  مما قد يدفع الخاسر أو أنصاره لتعكير أمور الدولة على الرئيس المنتخب.. وإثارة الجموع ضده بدلا من حشدها على العمل معه وخلفه… إضافة لتنفير المؤيدين من الانضمام ، كمواطنين فقط في هذه المرحلة  وليس كمؤيدين للمرشح الخاسر، من الانضمام للاحتشاد الوطني الذي قد يكون لازما لتيسير مهمة الرئيس المنتخب…

ثم إن هناك أيضا محاذير من حدوث ائتلاف المختلفين أصلا ، حينما يلجأ المرشحون الخاسرون بعد إعلان النتيجة، إلى إقامة جبهة مع القوى السياسية المناوئة للمرشح الفائز أو تياره السياسي ،  ولو كانوا مختلفين أو حتى متضادين أيديولوجيا أو عقائديا أو سياسيا …. بغرض إفشاله كغرض أولي ورئيسي ، وليس بغرض إقامة جبهة معارضة يكون دورها إيجابي وبناء في تبصير القوة الحاكمة وتقديم المشورة لها ، مثلما هو الحال في مجتمعات الديموقراطية المستقرة….

اللهم أننا نتوسم في قادم أيامنا خيرا من فضلك ونعمتك على مصر الكنانة.. فيسر لمرشحي الرئاسة مسارهما في حملات انتخابية عاقلة ، لا تنتهك حرمة ولا تهين جمعا، وجنبهما مواطن الزلل والوقوع في أسر الكيد الأعمى والمنافسة الهدامة… ويسر لهما الحفاظ على مصالح المجتمع …وقيد لهما من حملتيهما أناسا تلتزم مسارا معتدلا ومنضبطا بضوابط الوطن واعتبارات المصلحة العامة …… فالوطن ليس في حاجة، أو حتى قادر على احتمال مزيد من الاحتقان ..حمى الله مصر للمصريين والعرب أجمعين …

· مقالات وأراء

هذا الموضوع به 0 تعليق

اكتب تعليق

يجب ان تقوم بتسجيل الدخوللتستطيع التعليق .