تعليق الشاعر أمثل اسماعيل على مقالة رؤوف قبيسي في” النهار” 12 أيار 2014

تعليق الشاعر أمثل اسماعيل على مقالة رؤوف قبيسي في" النهار" 12 أيار 2014

*التعليق على مقالة رؤوف قبيسي في” النهار” 12 أيار 2014، الذي لم تسمح سياسة الصحيفة بنشره.

لماذا ليست نظرةٌ متأنية: من أجل أن يكون الكلام على قدر الشعر!
تشرفت بقراءة مقالة عنوانها ” نظرةٌ سريعةٌ الى أعمال 5 شعراء: من أجل أن يكون الشعر أكثر من الكلام!”  للصحافي “غبر الناقد” و” القارئ العادي” على ما يصف نفسه رؤوف قبيسي. الشعراء الخمسة هم: أمثل اسماعيل و رنيم ضاهر و جميلة عبد الرضا و باسكال صوما و ميسون كمال. وعليه، لي تعليق:
يركز الكاتب على مسألة “الفهم” للشعر الحديث، مستهلاً مقالته بقوله أنه ” لا يفهم” بعضاً منه، و أحيانا معظمه، و معرجاً على ” أتثائب في مخيلة قطة” لرنيم ضاهر، التي أعرفها شاعرةً موهوبة بحساسية عالية، مستشهداً بمقطعين لها كبرهان على استحالة “الفهم” (كيف لى أن أفهم)، و من ثم على “مطر الأعماق” لميسون كمال حيث، هنا أيضاً، اثر استشهاده بمقطع لها يقر بعجزه عن “الفهم” مستطردا (علما أني أفهم كثيراً في الشعر الحديث و أفهم شعراً كُتب قبل ألف سنة و أكثر)..
حسناً، قد يكون في استشهادات قبيسي من الشاعرتين قدرٌ غير قليل من الابهام، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل ينسحب الجزء على الكل في العملين؟ ثم ما قصته مع “الفهم” و “عدم الفهم” للشعر؟ معلوم أنه خلال نصف القرن الفائت تغيّر مفهوم الشعر و دوره، و تغيرت طريقة كتابته و النظرة اليه، و لا أقول نحو الافضل دائما، فهذه مسألة ثقاية اجتماعية مزاجية نسبية، لا بل هنا أراني أود أن أرمي الصوت و أقول: أيها الشعر، استضعفوك فوصفوك!
لكن.. هل الشعر لِ  “يُفهم” فهما علميا منطقيا؟ لا أرى ذلك. الشعر ليوحي و يُحَس و يؤّثِّر.. دون عنصر الفهم بالضرورة، مثله  مثل الحب و الجمال و النشوة. في الشعر، لا للنقاب “الابهام”، و نعم.. نعم للغلالة “الغموض” الآسر والفتان. رأيي على الأقل.
نأتي الى تعليق قبيسي في بداية مقالته على ديواني ” قلبٌ.. في أجسادٍ عدّة” ، فالكاتب استهلالا، يسجل عدم استساغته لكلمة “عدة” مستحسناً حذفها. أحترم ذوقه و لا أوافقه، فهنا كلمة “عدة” لغوياً و دلاليا في صلب المعنى الذي لا يخفى على القارئ اللبيب كثيرا أو قليلا. ثم يعلق على ذكري أن المجموعة كُتبت من وحي الخيال في القرن السابع عشر في بلاد واق الواق، بأني أريد بذلك ان أضفي على شعري لغزاً (كذا) لأشد اهتمام القارئ (كذا كذا)، حاذفا النصف الثاني المكمل للمعنى من جملتي ” وأي اقتراب من شخصية أو موضوع أو مكان معاصر، لهو صدفة محض”. ماشي الحال. لكن ما الذي أريده أنا هنا؟ ببساطة.. أن أضيع الشنكاش.. و لأسباب ليس من المفروض أن تكون خافية على القارئ مهما كان “بليد الذهن” كما لمّح قبيسي الى نفسه.
بعدها.. نقرأ الكاتب يُدقّرُ و ينقّرُ على ابدائي في مطلع الديوان، امتنانا لستة “شعراء” أسميتهم، و عتبا على أربعة  ذكرتهم بحروف أسمائهم الأولى، سائلاً ما علاقة القارئ بذلك؟ القارئ الذي برأيه أريد افهامه أن الامتنان هو لمن أثنى على كتاب سبق و نشرته (…) و العتب على من لم يتناول الكتاب أو تناوله سلبا (…). و هنا أقول، أولا، من المفروض بقبيسي أن يعرف، ان كان متتبعا جديا للحركة الثقافية، أن الأسماء الستة التي عبّرت عن امتناني لها، ليست جميعها لشعراء حسبما أكد! فسليمان بختي” مصرفي و ناشر و ناقد”، سمع بي عند اصدار ديواني الثاني، فيما أنا مقيم في هونغ كونغ، و لا أعرفه شخصيا، فقام “بمبادرة” شراء الديوان و الكتابة عنه بموضوعية في النهار، و مذ ذاك، أي منذ ربع قرن، تربطني به صداقة و مودة شبه نادرة في الوسط الثقافي المبوء. عماد موسى، على ما أعلم ” معدّ برامج تلفزيونية وصحافي” له مقالة ساخرة أسبوعية في مجلة “المسيرة”، التقيته مرة واحدة من خلال صديق صحافي راحل، فقام “بمبادرة” اجراء حوار معي في المجلة عن ديواني الثالث، أتى من أجمل و أحب الحوارات الى قلبي حيث أسئلته الذكية و الرشيقة و “الغير شكل” استجلبت أجوبةً مني تشبهها. أما سمر الزين فهي “مهندسة معمارية”، وصديقة لم ألتق بها سوى في العالم الافتراضي!، ولقد انتقيت بمساعدتها صورتيْ الغلافين لديوانيّ الأخيرين.
نعم يا سيدي، أنا ممنون لهؤلاء، و ذكري ذلك هو بمثابة اهداء فرعي اذا جاز التعبير. انهم جزء من مسيرتي الشعرية سواء استساغ القارئ ذلك أم لا. و أي قارئ على كل حال! ثانيا، عن عتبي: “العتب على قدر المحبة” يقولون. أحد “المعتوب عليهم” كان “على بِنا” صديقا لي، و قد أنزلني من السماء، في” النهار” منذ ثلاثين سنة عند اصداري ديوان الأول. لكن، لدى اصداري الثالث، لم يكلف نفسه عناء ايراد خبر من سطرين! أنا لست بِ “حيالله شاعر”، و قيمتي الشعرية، صحيح، لا تتأتى من تحديد أحد، و أعرفها تمام المعرفة و بتواضع، لكن.. لي أن أعتب. لا يضيرني ذلك و لا ينتقص من قدري ذكره في مطلع كتاب لي. يبقى عتبي هذا، بديلا راقيا عن النميمة البائسة في مقاهي البطالة الثقافية!  يقولون لك انها “غيرةُ كار”.. بئس هذه الأيام التي بات يوصف الشعر فيها بالكار!!
و لا.. يا سيدي، لا أرى بذلك الشعر “سياسة”، و لا كتاب الشعر “منشورا حزبيا” غب الترويج كما تقول بخفة و فوقية مؤسفة. حسنٌ أني، و منذ بداياتي، “نأيتُ بنفسي” عن أهل الثقافة التي أنت أدرى بشعابها.” يا محلاها” الميليشيات و المافيات السياسية/ الريعية ازاء الثقافية.. بحيتانها و ديناصوراتها و أمراء حروبها “الصغيرة” و زعماء محاورها و زواريبها.
ثالثا، في المضمون، الذي من الواجب التركيز عليه أساسا، لا الشكل! فلا شك أن رؤوف قبيسي ميزني عن الشعراء الأربعة الباقيين كمّا و نوعا (ما) بايراده: ينبغي من الانصاف أن أقول أن أمثل اسماعيل غزير المفردات و يمتلك روحا شعريا و نغمة حلوة(…) تشكرات أفندم!، لكنه استشهد بعبارات لي أسماها “عجائب الشعر” مدعيا أنها تحمل القارئ على الاعتقاد اني لست شاعرا جديا! و هنا أسأل، كون ديواناي الأخيران يتضمنان الكثير من السخرية المرة (أو الحلوة).. ما الضير في أن يكون هناك شاعر ساخر أسوة بالأديب أو الصحافي الساخرمثلا؟ حرٌ أنا، أترك نفسي على سجيتها خلال الكتابة، فان حدث و حبكت معي النكتة من ضمن السياق، “أنزّلُها” لتأخذ موقعها من التعبير الشعري. يبقى الأهم الصدق و الحرارة في هذا التعبير، و الجدية و الاتقان في العمل و اللغة.
و أخيرا.. يأبى الكاتب الا أن يفقعنا عظةً في الشعر خالصا الى القول: ان الشاعر الحر، المتمكن من الشعر و أدواته، لا يحتاج الى اطراء من أحد و لا ثناء او عتبا على أحد، بل يكتب ما يمليه عليه خياله من شعر يبُثه فى “الورق” و في” قلوب الناس”..ألله ألله.. لا يملك المرء هنا الا أن يقشعر بدنه ويقع في حيص بيص من الأحاسيس: هل يبكي  تأثرا حتى تبتل لحيته؟ أم يضحك حتى ينقلب على قفاه؟ (…)
أختم بالقول أنْ شبعنا.. شبعنا، نحن الشعراء (والأدباء) غير الصحافيين، أسْتذةً و تفلسفاً و تعالٍ و استخفافا و استنسابية و خبثا و تسلطا، و هنا لا أقصد تحديدا كاتب المقال رؤوف قبيسي تحديدا، بل أقصد من يتم تناولهم باستمرار من “فعاليات” الوسط الثقافي، بالفم الملآن و القلب الملآن.
ملاحظة أخيرة: آنما لا يطرح الكاتب نفسه ناقداً بل قارئا عاديا، ما الذي يضطره الى هكذا نظرة سريعة الى أعمال خمسة شعراء معا؟ لتكن نظرة متأنية الى عمل واحد اذا أمكن، و اذا لم.. فخبر رصين(…) من سطرين.. ثلاثة عن كل عمل، كافٍ و وافٍ، أو.. نظرةٌ فابتسامةٌ فالسلام..

· ثقافه, فن وترفيه

هذا الموضوع به 0 تعليق

اكتب تعليق

يجب ان تقوم بتسجيل الدخوللتستطيع التعليق .